بين أصحاب المواقف والمواقع (2)
أصحاب المواقف قوم نبلاء يُسَخِّرون مواقعهم لخدمة رسالتهم، ويضحون بمواقعهم ليحافظوا على مبادئهم وأخلاقهم، أما أصحاب المواقع فيبدِّلون مواقفهم وأخلاقهم لخدمة مواقعهم، ويُسَخِّرون مواقعهم لخدمة أنفسهم وأهوائهم وذويهم. وقد أراد المشركون أن يزحزحوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبليغ رسالته وأداء أمانته، وبدأوا بالإغراء بأن يتوِّجوه ملكاً مطاعاً ويجمعوا له المال فيصير أغناهم، لكنه صلى الله عليه وسلم ضرب المثل الأعلى في الثبات على موقفه؛ فقال صلى الله عليه وسلم مخاطباً عمه أبا طالب «والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى أهلَك دونه أو ينصره الله عز وجل». وبهذا لم يعد هناك عذر لكل من أهدر دينه وقيَمَه وأخلاقه ومبادئه تحت دعوى (عبد مأمور)، ويتحول العبد المأمور مع من تحته بعدها إلى (وحش هصور)، فهو عبد مع مَن فوقه، وسيد على مَن تحته.
وقد أفرزت الأنظمة العربية جيوشاً من أصحاب المواقع المتلونين مع كل سلطة، فهم حيناً (آباء الاشتراكية وأعداء الإمبريالية العالمية، وضد الرأسماليين والبرجوازيين المصاصين لدماء المطحونين)، وفجأة حين لعن النظام الشيوعية، وكفر بالاشتراكية، وحوَّل قبلته من الكرملين إلى البيت الأبيض، إذا بأذناب المواقع وأعداء المواقف يتحولون و(يُسَبِّحون بحمْد) أمريكا ويلعنون الاشتراكية، وصاروا أنصار الخصخصة والرسملة، وضرورة تشجيع ودعم القطاع الخاص، وتحولوا إلى برجوازيين كباراً، ونهبوا البلايين وداسوا على المساكين، وزاوجوا بين السلطة والمال للحصانة من الشعوب المقهورة، وفاض الكيل بالمطحونين والمضطهدين والمنكوبين والمظلومين فقرروا الخروج للشوارع ثائرين غاضبين، مصرِّين على إسقاط أصحاب المواقع الذين يهدرون الدين والأخلاق والأعراف، وظن أصحاب المواقع في السلطة الغاشمة أن القبضة الحديدية عاصمة، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، فانتصر الشعب في تونس ومصر بفضل الله، والنصر قريب في ليبيا واليمن بإذن الله، لتنتصر المواقف على المواقع مهما كانت التضحيات.
أغرب شيء أن أنصار النظام السابق الذين لم يعرفوا إلا (التسبيح بحمده) وتسويغ وتمرير جرائمه، بل تصويرها على أنها إنجازات قلباً للحقائق صاروا هم فجأة من أنصار الثورة، ومن كُتَّاب التحرير والتغيير، ظناً منهم أن الشعوب يمكن أنْ تُخدع، وهيهات هيهات فقد أزاحت الثورة ضغط المواقع ليعلو أصحاب الثوابت والمواقف، فلم يعد سائغاً إلا توبة نصوح تحتاج لوقت نوقن فيه أن المريض بالمواقع قد مرَّ بفترة نقاهة وصار معافى، بل من أصحاب الرجولة والمواقف وليس من أصحاب الطفولة والمواقع.


