العدد 202 - 2012-05-16 - 25-06-1433

فك الارتباط بالدولار.. بين المنافع والمخاوف

حرية السياسيات النقدية أهو جرأة اقتصادية أم تعطيل للعملة الخليجية الموحدة؟
النبأ - عائشة طارق
162-22.jpg

إذا نظرنا إلى الاختلاف والجدل المحتدم حول مصير العملة الخليجية الموحدة التي لم تصبح حيز التنفيذ بعد، لا يمكن لنا ان نجد في خضم ما يجري من لغط إلا إجابة ضبابية وذلك إذا علمنا إن السبب الرئيسي في الاختلاف هو أن أغلب دول مجلس التعاون الخليجي ترتبط سياساتها النقدية ومصيرها الاقتصادي بعملة الدولار، وهنا مربط الفرس، وهذا في حد ذاته أضر بها على نحو كبير خاصة خلال الأزمة المالية العالمية التي تفجرت عام 2008، التي لعب فيها الدولار دوراً حيوياً ومؤثراً في الأزمة التي ضربت المنطقة الخليجية بالذات، وهذا ما يؤكد أن لا جدوى في الارتباط بالسياسات النقدية الأمريكية طالما تملك الدول الخليجية موارد هائلة تمكنها من اختيار عُملة خاصة بها في وقت تتجه فيه الكثير من الدول للإصطفاف اقتصادياً في كتل تميزها وتوفر لها الأمان ضمن مصفوفات الدول العالمية والتي تتشكل بين الحين والاخر وفقاً لما تقضي مصالحها.
في هذا السياق أكد اقتصاديون ورجال أعمال أن ارتباط الدولار هو ارتباط تاريخي حين كان سيد العملات، مشيرين إلى أن وضعه الحالي غير مريح، وقد تعددت الحلول فالبعض يرى أن الانتقال إلى سلة عملات هو الحل، والبعض يرى الحل في الارتباط بعملة أخرى أو توحيد العملة الخليجية. منوهين إلى أن الحل الأقوى هو توحيد العملة الذي من شأنه أن يكون منعطفاً من أجل النهوض وتقوية القومية العربية، وإنْ كان تحويل العملة لن يؤدي بالغرض وإنما هو حل مؤقت، لذا يجب ان يسعى الخليجيون لتقوية أنفسهم من الداخل.
وشددوا على أنه لايجب أن تكون هناك خسارة قائمة بل يجب أن تتغير الإرادة السياسية لدولنا الخليجية ويكون العكس فلانرتبط بعملات الدول بل الآخرون هم من يجب أنْ يرتبطوا بنا وبعملاتنا.

ترتيب البيت الخليجي
وحول هذا أكد حسن إبراهيم كمال، رجل الاعمال ورئيس لجنة العقار بغرفة تجارة وصناعة البحرين أن مما لاشك فيه أن ارتباط الدول الخليجية بالدولار ارتباط قديم وليس حديثاً، وهو قائم على قرار سياسي بالدرجة الأولى نظراً لما كان يتمتع به الدولار من متانة سابقا فقد كان الدولار سيد العملات قبلاً، وقوة هذه العملة الدولية خاصة فيما يتعلق ببيع سعر برميل النفط، فكانت لهذا آثار حميدة ومرغوبة، وكان نابعاً من قرارات دول الخليج ما عدا دولة الكويت التي اعتمدت سلة عملات، وكان الارتباط بناء على هذه المعطيات، ولاسيما وأن العلاقات السياسية الأمريكية مع البحرين كانت جيدة، فضلاً عن أن البحرين وقعت اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية (FTA) Free Trade agreements التي نصت على إعطاء الأولوية للبحرين خاصة في مجال التصدير أو الصناعات فلديها بموجب ذلك إعفاءات وامتيازات، وهذه العلاقة انعكست بشكل كبير على التأثير الأقتصادي.
وأضاف قائلاً: ولكن مع الأيام بدأ الدولار يضعف ويفقد قيمته وأصبح وضعه غير مريح، ومع ذلك فإن الانسحاب من عملة الدولار قد يؤثر علينا، فهناك فروقات كثيرة، وعليه لابد أن نستمر في الوضع لتفادي أية خسائر أو تراجعات سعرية. أما بخصوص الكويت فإنها قد وضعت خططاً منذ البداية لتفادي مثل هذه الأوضاع التي نعيشها، وعلى أية حال مهما ساءت الأمور يظل الدولار هو العملة الوحيدة التي تقاس عليها الأسعار العالمية.
واقترح كمال الاتفاق على توحيد العملة النقدية لدول الخليج كي تكون قادرة على الصمود أمام المتغيرات الدولية وأمام التيارات الدولية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، وبالتالي فنحن كخليجيين ينبغي أن نسعى لتوحيد العملة الخليجية وتقويتها لمواجهة العملات المتقلبة ولنصمد ونحافظ على سلعتنا السيادية وهي النفط والتي يتم تداول وشراء النفط اليوم بموجب الدولار أو عملات أخرى وهذا التوجه مطلوب لأنه سيسهم في المزيد من التوحد الخليجي.
وأردف: هناك نقطة أخرى تتعلق بسياسة الانكماش فسعر النفط لانحدده نحن، وإنما من يحدده وإنْ بشكل نسبي مؤسسات أو هيئات دولية مثل منظمة (أوبك)، ونحن كدول خليجية نخضع لقرارات سياسية.
وشدد كمال على وجوب ألا يكون دورنا سلبياً بل وأن يشغل أذهاننا سؤال حول كيفية تحويل سلعة النفط التي بحوزتنا إلى سلاح فاعل في هذه المرحلة الحاضرة من تاريخ الأمة العربية، كما كان الحال عام 1973 حين شكل النفط أداة ضغط ضد الدول التي تعمل ضد مصالحنا، وهذا ما يستوجب أن يكون هناك قرار سياسي شجاع وجريء يخرجنا من عمق الزجاجة ويمكننا من إعادة ترتيب البيت الخليجي، وهذا ما يقتضي إعطاء الفرص لعمل الدراسات الاستراتيجية لكيفية الحصول على حقوقنا الغائبة، وهذه المسألة ليست قضية تقابل بل يجب أن نوحد جهودنا لنحل هذه القضية.
واختتم كمال حديثه بالإعراب عن انضواء المغرب والأردن ضمن منظومة مجلس التعاون لاحقاً مما سيشكل بادرة أمل للشعوب العربية في النهوض وتقوية الكيان القومي العربي، مستدركاً أن تحويل العملة لن يؤدي بالغرض المطلوب بل سينشأ عنه خسارة في فرق العملة، وذلك إذا لم نقوِّ أنفسنا من الداخل، وألا نرتبط بأحد بل الآخرون سيسعون للارتباط بنا.

الدولار وكوارث قادمة
من جانبه قال أكبر جعفري، الرئيس التنفيذي لاستشارات (جبكون) أن الأزمات المالية المرتبطة بأمريكا أغلبها يكون  في الاستثمارات الخارجية والسيادية وأغلبها تنشأ في أمريكا وأوربا واليابان وهذه المشكلة مستمرة وما لم تتعاف منها تلك الجهات فستكون استثماراتنا نحن كدول خليجية معطلة في السنوات السبع القادمة.
وأضاف: أننا لانستطيع فنياً أن نفك هذا الارتباط، فكمجموعة خليجية ليست لدينا القوة المالية لنتحرك في الأسواق العالمية بعملتنا المحلية لذا يلزم الارتباط بعملات دولية. وعلى المدى البعيد سيشكل الدولار كارثة عالمية وكوارث والحل هو فك الارتباط به إلا أنه مستحيل حالياً ولكن المطلوب هو عدم تقوية هذا الارتباط.
وقال جعفري: قد لانرغب في أن ننجرف مع الدولار ولكن هذا ليس خيارنا بل ضرورة اليوم وإذا أردنا أن نرتبط في تعاملاتنا المالية باليورو أو الين فأننا سنفشل لأنه حل مؤقت ولأن ارتباطنا بالدولار هو ارتباط تاريخي طويل، والحل الأمثل والبديل هو توحيد العملة الخليجية التي تتطلب إرادة سياسية لدول مجلس التعاون الخليجي والتي من الممكن أن تصبح عملة قوية، لكن دول المجلس حتى الآن على أبسط الأشياء وكمثال توحيد أرقام السيارات، وتمنى أن نكون أقوياء مالياً على المسرح العالمي بدل التشتت الذي نعيشه حالياً.

سلة العملات
وفي ذات السياق، أشار عبداللطيف عبدالرحيم جناحي الخبير الاقتصادي بمجمع الفقه الإسلامي الدولي أن ارتباطنا في البداية كان ارتباطاً بالجنيه الإسترليني وكان هو العملة السائدة حتى خمسينيات القرن الماضي،  لكن من حينها انسحب البساط من تحته نتيجة الخسائر التي جلبها لينتقل الارتباط إلى الدولار، فمشكلة الارتباط  بالدولار ليست مشكلة البحرين وحدها بل هي مشكلة الكثير من الدول التي تثق بالتعامل بالدولار مهما تعرض لها من تقلبات، فقوة عملة الدولار مستمَدة من خلفيتها بالذهب والفضة، وبعد اجتماع Bretton Woods عرضت أمريكا أنه ليس شرطاً أن تغطي العملات بالذهب والفضة بل باقتصاد الدولة وهو الرأي الذي رسا في هذا الاجتماع الذي من بعده أصبح الدولار العملة الأقوى، ولكن سابقاً وليس الآن.
وأضاف: لقد نادينا بالخروج من هذا الارتباط والعدول عنه إلى سلة عملات لكننا لم نرسُ على هذا المطلب لأن سلعتنا الرئيسية (النفط) تسعَّر وتباع اليوم بالدولار، لذا ربما لا جدوى من محاولة فك الارتباط حالياً.
وأردف جناحي: إن فك ارتباط العملة سيؤدي إلى انخفاضها مما سيشكل بالتالي خسارة بنسبة 100% للتجار وغيرهم نظراً لأن الودائع والاستثمارات الحالية كلها قائمة على هذه العملة، والحل برأيي هو سلة العملات التي ستجعل دول مجلس التعاون في بر الأمان، وتجربة الكويت باعتمادها سلة عملات خير مثال.

دراسة عميقة وتفكير جدي
وأضاف على ما سبق الاقتصادي جعفر محمد بقوله إن دول مجلس التعاون من خلال تقوية اقتصادتها وتقوية العملة الموحدة فيما بينها وإشفاع ذلك ببناء اقتصاد قوي متنوع لايعتمد فقط على النفط سيمكنها من فك الارتباط بالدولار وهذا قد يستغرق فترة ليست بقصيرة من الزمن واعتماد استرتيجية للظهور كقوة تنافسية عالية وعملة موحدة قوية.
وأعرب عن اعتقاده بأنه لو أريدَ فك الارتباط بالدولار فعلاً فلابد من أن تسبقه دراسة متأنية تدرس الأبعاد التي قد تنشأ عن ذلك، وإن كان من الصعب التنبؤ حوله، ويجب ان لانعطي بديلاً عنه كاليورو قبل دراسة الأمر، ويجب ان يكون البديل سلة من العملات، وذلك سيجعل فك الارتباط بالدولار أقل تأثيراً أو أضراراً.
وقال محمد: لاشك أن فك الارتباط بالدولار في التعامل قرار استراتيجي يحتاج إلى دراسة معمقة وتفكير جدي ودراسة تأثيره على جميع القطاعات وعلى كل الدول، وعلى وحدة دول مجلس التعاون، كما توحيد العملة الخليجية يحتاج إلى دراسة وقرار يرتب عليه تشخيص القطاعات التي ستتأثر ايجابياً وسلبياً أكثر من غيرها، وهذا ما يستوجب على دول المجلس أن تفكر جدياً في إعادة النظر في ربط العمل الخليجي من جديد.
وأشار في خاتمة قوله إلى أن من البديهي يكون لتلك الخطوة تأثير على التجارة والاقتصاد الخليجيين إذ إن عقد الصفقات وتقييم الأرباح عادة ما يكون بالدولار والعملة البحرينية كمثال مرتبطة بالدولار ففك الارتباط به سيكون له تأثير كبير سواء على الأرباح أو الاستثمارت وهذا مما قد يؤثر على التضخم والارباح والاستثمار وما شابه ذلك.
الضغوط التضخمية
وحول فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار قال ماريوس ماراثفتيس مدير البحوث الإقليمي في بنك ستاندر تشارترد لموقع Arabian business «أعتقد أنه سيكون أمراً ايجابياً إذا ما شهدنا أجراء نوع من الإحكام في السياسة النقدية، وإذا كان أفضل للاقتصاد برمته فسيكون أفضل للجميع بشكل عام».
وحول موقف ستاندرد تشارترد من العملات الخليجية قال ماراثفتيس «كان رأينا على الدوام أن المنطقة بحاجة إلى إحكام السياسة النقدية من أجل التعامل مع النهضة الاقتصادية الحاصلة بفاعلية أكبر، فالتحديات التي نواجهها في المنطقة تختلف عن التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي. والسياسة النقدية غير محكمة تماماً وهو ما يؤدي إلى المزيد من الضغوط التضخمية. ونعتقد أن أمثل طريقة للتعامل مع هذه الضغوط هي العمل على تغيير الارتباط بالدولار. وسيمثل هذا الحل الأفضل، ولكن في اعتقادنا أن إعادة التقييم تمثل ثاني أفضل حل وسيكون مفيداً هو الآخر».

إعلانات

Developed By: Frecsoweb