مفارقات
الإصلاح أن ننتقل من السيء إلى الحسن ومنه إلى الأحسن، وبعبارة أوضح من أهل الشمال إلى اليمين ومنه إلى المقربين، والإفساح أن يترك الإنسان المكان لغيره؛ لعله يكون أقدر على الإصلاح، وإما أن يتركه رغبة واختياراً، أو قهراً وإجباراً.
القلب ينبوع المشاعر، والعقل وعاء الفكر، القلب يوصف بالقسوة أو الرحمة، والعقل بالذكاء أو الغباء، القلب مداده الحب، والعقل غذاؤه العلم، القلب يحس، والعقل يفكر، القلب طريقه الإمتاع، والعقل طريقه الإقناع، القلب يُرَطِّب العقل، والعقل يُقَوِّي القلب، القلب وعاء الإيمان، والعقل وعاء الأدلة، القلب يتمدد حتى يستغرق الزمان المكان، ويحس بكل ذي كبد رطبة وبني الإنسان، والعقل يتسع ليشمل النظر في المُلْك والملكوت لكنه قاصر عن الإدراك الكلي لهذا الكون، القلب داؤه الغفلة عن ذِكْر الله، والعقل داؤه الجهل ورفض الأدلة الواضحات البيِّنات، القلب يحب ويكره، والعقل يقبل ويرفض، القلب يُجذَب من بعيد، والعقل يجذب من قريب، القلب يعمل بالليل والنهار في اليقظة والأحلام ،
سوريا الأمس خشعت فيها الأصوات للنظام، فلاتسمع حتى همساً، واليوم خرج الشعب يصرخ بأعلى صوته بعد أن ذاق ظلماً وطغياناً وفساداً وبَخساً، يكاد أن يكون فريداً لايقاس عليه.
سوريا الأمس لايفتح فيها الناس أفواههم إلا أمام طبيب الأسنان - إلا من رحم الله -، واليوم يرفعون أصواتهم في كل مدينة وشارع وميدان.
في الخبر تُذكر الحقائق كما هي، كما قال الله تعالى: }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{ العلق: 1، وفي الإثارة تُقلَب الحقائق على رأسها كما يقال في الصحف والجرائد «لاتقرأ هذا الخبر» وهم يقصدون أن يكون أول خبر يُقرأ.
أصحاب المواقف قوم نبلاء يُسَخِّرون مواقعهم لخدمة رسالتهم، ويضحون بمواقعهم ليحافظوا على مبادئهم وأخلاقهم، أما أصحاب المواقع فيبدِّلون مواقفهم وأخلاقهم لخدمة مواقعهم، ويُسَخِّرون مواقعهم لخدمة أنفسهم وأهوائهم وذويهم. وقد أراد المشركون أن يزحزحوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبليغ رسالته وأداء أمانته، وبدأوا بالإغراء بأن يتوِّجوه ملكاً مطاعاً ويجمعوا له المال فيصير أغناهم، لكنه صلى الله عليه وسلم ضرب المثل الأعلى في الثبات على موقفه؛ فقال صلى الله عليه وسلم مخاطباً عمه أبا طالب «والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى أهلَك دونه أو ينصره الله عز وجل».
أصحاب المواقف هم أصحاب المبادىء الأخلاقية والقيم الإنسانية، في سرهم وعلانيتهم، في أوطانهم وفي خارج بلادهم، فهم كالجبال ثلثاها الأغنى والأقوى والأصلب في باطن الأرض وثلثها الباقي هو الذي يظهر للناس، شعارهم: }إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ{ الملك: 12، و»اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمْحُها، وخالِق الناس بخُلُق حسن» فلتخالطهم في السراء والضراء، في العسر واليسر، في المنشط والمكره، في الفقر والغنى، في الصحة والمرض، في العزوبة والزواج، فتراهم مثل الذهب والألماس، إن اشتعلت فيه النار - ابتلاء - زادته نقاء، وإن غمرته المياه – رخاء - ازداد لمعاناً.
لم أجد في تاريخ مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952 ألعن ولا أسوأ من ممارسات جهاز مباحث أمن الدولة المصري، مما شكَّل أسوأ أنواع (البهدلة) لكل أبناء مصر، وبعد ثورة 25 يناير 2011 قامت انتفاضة جديدة ضد هذا الجهاز اللعين، لكن خرجت صيحة تقول نريد هيكلة نظام أمن الدولة، ولا أدري هل نعود إلى الماضي مع فارق واحد هو أن البهدلة كانت مزاجية حزبية شخصية، وستتحول بعد الثورة الأخيرة إلى هيكلة (البهدلة)؟!
في تونس ومصر وليبيا ثورات شعبية حقيقية، وفي البحرين مظاهرات طائفية حتى النخاع، في تونس ومصر وليبيا خرج الشباب والشيب، والرجال والنساء، والقاصي والداني، والفلاح والقاضي، والعامل والعاطل، من كل أبناء الوطن، سواء كان مسلماً أو نصرانياً، متديِّناً أو متحللاً، كلهم يرفعون شعار وطنهم وبلدهم، ويقدمون المطالب الشعبية المتفق عليها في الحرية والكفاية والعدل والحزم مع المفسدين، وإسقاط الطغاة الظالمين، فنجحت ثوراتهم وآتت بعض ثمارها، وتضاعفت آثارها، وماتزال ترابط لتحقيق أهدافها، لكن مظاهرات البحرين تميزت منذ اللحظة الأولى بالطائفية والتقليد معاً، فلم تستطع أن تخلع ثوب التحزُّب، ولم تستهوِ عموم الشعب البحريني، ولم تستطع - عندما حملت الشكل في ثورات أفريقيا
ليبيا الأمس يحكمها نظام فريد في نزَقه وجنونه وغرابته وبطشه وطغيانه وشراسته وغروره وفجوره، واليوم يثور الشعب كله على هذا الطغيان الرهيب بصدور لاتحمل سوى اليقين بربها والرغبة في التخلص من حكم دام 42 عاماً تقلَّب فيه بين نزوات فردية وعائلية، جعلت المفكر العربي السياسي عزمي بشارة يقول: «لاينبغي أن يكون شعارهم في التغيير مثل مصر في ثورة 25 يناير: (الشعب يريد تغيير النظام) حيث كان الطغيان والفساد في النظام المصري مقنناً ومنظَّماً بمنهجية فرعونية مرتبة، أما ليبيا فتحتاج لشعار آخر هو (الشعب يريد إنشاء النظام)”. وصدق من قال: عدو عاقل خير من صديق جاهل، فكيف إذا كان العدو جاهلاً ومجنوناً ومغروراً ومعانداً.
مصر التي رأيت اليوم تختلف كثيراً عن مصر الأمس، فصورة الرئيس السابق تم نزعها في مجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشورى، ووضعوا مكانها لفظ الجلالة (الله جلَّ جلاله)، وصدق الشاعر لبيد بن أبي ربيعة في قوله:
ألا كل شيء ماعدا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل
مصر الأمس كان نعيم الزواج بين المال والسُّلطة يُختص بها فئة قليلة مقربة نسباً ونسقاً مع مؤسسة الرئاسة ومَن حولها، واليوم حدث طلاق بائن بينونة كبرى بين المال والسُّلطة، وبدأت مصر التي خلعت السُّلطة بعد زواج تم اغتصاباً وتزويراً ثلاثين عاماً، مارَس فيها الزوج المتسلط كل صنوف الظلم والقهر، فخرج أهل الزوجة المسكينة (مصر) تطالب بحقوق أمهم المسلوبة .

